الشيخ عبد الغني النابلسي

456

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولمّا كانت مناجاة فهي ذكر ، ومن ذكر الحقّ فقد جالس الحقّ وجالسه الحقّ . فإنّه صحّ في الخبر الإلهيّ أنّه تعالى قال : « أنا جليس من ذكرني » . ومن جالس من ذكره وهو ذو بصر حديد رأى جليسه . فهذه مشاهدة ورؤية . فإن لم يكن ذا بصر لم يره . فمن ههنا يعلم المصلّي رتبته هل يرى الحقّ هذه الرّؤية في هذه الصّلاة ، أم لا ؟ فإن لم يره فليعبده بالإيمان كأنّه يراه فيخيّله في قبلته عند مناجاته ، ويلقي السّمع لما يرد به عليه من الحقّ . فإن كان إماما لعالمه الخاصّ به وللملائكة المصلّين معه - فإنّ كلّ مصلّ فهو إمام بلا شكّ ، فإنّ الملائكة تصلّي خلف العبد ؛ إذا صلّى وحده كما ورد في الخبر - فقد حصل له رتبة الرّسول في الصّلاة . وهي النّيابة عن اللّه . وإذا قال سمع اللّه لمن حمده . فيخبر نفسه ومن خلفه بإنّ اللّه قد سمعه . فتقول الملائكة والحاضرون ربّنا ولك الحمد . فإنّ اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده . ولما كانت الصلاة مناجاة بين اللّه تعالى وبين عبده فهي ذكر للّه تعالى بجميع الأعضاء على كيفيات مختلفة . وكل من ذكر الحق تعالى فقد جالس الحق تعالى وجالسه الحق تعالى والمعنى حضر مع الحق تعالى كما أن الحق تعالى حاضر معه والحضور ضد الغيبة وهي الغفلة يعني زالت عنه الغفلة واشتغال الخاطر بغير اللّه تعالى فوجد اللّه تعالى ظاهرا بكل شيء حاضرا عند كل شيء غير غائب عن شيء فإنه صح ، أي ثبت وتحقق في الخبر الإلهي ، أي الحديث القدسي أنه تعالى قال : أنا جليس ، أي مجالس كل من ذكرني ، لأنه تعالى حاضر لا يغيب أصلا وإنما العبد يغيب عنه لغفلته ويحضر بين يديه ليقظته فإذا ذكره ، أي تذكره وجده حاضرا ، فيكون اللّه تعالى جليسه . وكل من جالس من ، أي أحدا ذكره وهو ، أي الذي يجالس ذو ، أي صاحب بصر بأن كان يرى وليس بأعمى رأى جليسه من غير شبهة أصلا والذي لا يرى فهو أعمى . فهذه الحالة التي هي حالة الذكر مشاهدة للحق تعالى ورؤية له فإن لم يكن ذلك الذي جالس من ذكره ذا بصر فإنه لم يره ، أي لا يرى من يجالسه